لم يثبت في يوم من الأيام أن نجحت الديمقراطية و أدواتها في إدارة التنافس ما بين قوى سياسية غير متجانسة في العقيدة و المبادئ للوصول إلى الحكم ، خصوصاً عندما يكون التمايز كبيرا كما هو الحال ما بين المبادئ الإسلامية في الحكم و السياسة و المبادئ العلمانية ..
و الحال في أوروبا و أمريكا هو أحزاب علمانية تتنافس فيما بينها .. و أيضا كما هو الحال في إيران ، تيارات إسلامية تتنافس فيما بينها ..
أما عندما يتنافس التيار الإسلامي مع التيار العلماني و الليبرالي فإن نتائج الاقتراع دائما ما تكون لصالح التيار الإسلامي بسبب البيئة ذات الثقافة و التربية الإسلامية ، و دائما ما يتحالف التيار العلماني و الليبرالي مع العسكر و الشياطين الزرق للانقلاب على التيار الإسلامي .
و النتيجة دائماً حقبة من الديكتاتورية و القمع و الظلم و القتل و التفقير و التخلف ، يذهب ضحيتها المجتمع كله بكل مكوناته لكن غالباً ما يدفع الثمن الأكبر هم الإسلاميون . و ما حصل في الجزائر و ما يحصل في مصر اليوم أوضح دليل ..
كتب الدكتور عدنان باكيرا يقول:
( القوى السياسية الإسلامية تؤمن بالديمقراطية كطريقة للوصول إلى الحكم ، ولكن محتواها الفكري يتناقض مع كل الثقافة الديمقراطية والعلمانية والليبرالية !!
والقوى السياسية الديمقراطية والعلمانية والليبرالية تعترف بقوى الإسلام السياسي ، ولكنها ضد وصولها للحكم عن طريق صندوق الاقتراع .. ولو بالتحالف مع عسكر وجيش وسلاح !!
علماً أن بنية الأحزاب العربية التقليدية (على ما أعلم) لاديمقراطية ، بل مركزية واستبدادية وتسلطية ، وتفتقر لمراكز البحث ، و لاتطلب من أعضائها إلا السمع والطاعة )
و يقول أيضاً : ( صندوق الاقتراع هو المرحلة الأخيرة من بناء الديمقراطية ، لنقرأ أكثر عن الديمقراطية الاجتماعية والسياسية والإدارية والتعليمية ، لنفهم أكثر معنى الحرية ، فاستيعاب الفكر هو شرط ضروري لنجاح تطبيقه ).
و قد رأينا أن القوى السياسية الإسلامية قد أنهكها وقوعها زمناً طويلاً تحت حكم هذه الديكتاتوريات العلمانية و الليبرالية حتى تقبلت القيم الديمقراطية و أدواتها و مبادئها و رضيت بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع و لما كان صندوق الاقتراع هو الأداة الفصل في المنافسات السياسية في البيئات الديمقراطية فقد كان من المتوقع أن تسير الأمور كما سارت في تركيا العلمانية .
لكن وصول القوى السياسية الإسلامية في تركيا إلى الحكم بنتائج الاقتراع و فشل العسكر بالتحالف مع العلمانيين آنذاك كان وراءه أمور ثلاث هي :
الأول عمق و طول التجربة الديمقراطية في المجتمع التركي بكل مكوناته و نجاح تطبيقها بالرغم من الانقلاب الذي تكررت مرتين على القوى الإسلامية خلال حكم القوى العلمانية (على حكومة عدنان مندريس و حكومة أربكان ) .
الثاني فشل العلمانيين في إدارة البلاد و إيصال الاقتصاد التركي إلى حافة الانهيار ، و الحاجة إلى بديل منقذ .
الثالث الرغبة الجارفة للأتراك للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي و ما فرضه ذلك من الالتزام بالنظام الديمقراطي و الذي أدى بدوره إلى أفشل الانقلابات المتكررة على حكومة الإسلاميين التي لا تزال حتى اليوم ..
بالنتيجة يبدو من الواضح تماماً أن القوى العلمانية و الليبرالية تواجه صعوبات بالغة في تقبل الفكر و الثقافة الإسلامية و التعامل معها بما يضمن الالتزام بالبيئة الديمقراطية و أن هذه القوى السياسية العلمانية و الليبرالية لا ترضخ لصناديق الاقتراع أو تقبل بنتائجها و أنها ستبحث دائماً عن مبررات لقمع القوى الإسلامية كما حصل في الجزائر و اليوم يحصل في مصر . في مقابل تقبل القوى الإسلامية للفكر و الثقافة العلمانية و الليبرالية و فهم مفاصل الاختلاف ، و التعامل معها بنجاح و الالتزام بالديمقراطية كأدوات سياسية تحكم عملية التنافس للوصول إلى الحكم ، و يشهد على ذلك نجاح حكومة أردوغان في تركيا خلال العشر سنوات الماضية .
و بالاطلاع على الحالة التركية نجد أن القوى العلمانية التركية لم تستكين للقوى الإسلامية إلا بسبب العجز و لو توفرت لها المساعدات الخارجية لما تنازلت عن الحكم للقوى الإسلامية حتى و إن تغلبت عليها بصناديق الاقتراع ..
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=559497884086649&set=a.551212391581865.1073741827.203227136380394&type=1&theater