يخطئ من يقول أن للحرب قواعد أخلاقية ، لأنها بالأساس نتاج قرارات لا أخلاقية ، وما الاتفاقات الدولية التي وضعت بخصوصها إلا حالة تبريرية لقيامها .
كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول الحادثة التي تناولت آل بري في حلب ، وكأنها الحادثة العنفية الوحيدة في مسار أكثر من عام ونصف ، التي تتسم بهذه السمة البعيدة عن القوانين الوضعية لأسس الصراعات التي تنشأ بين الدول أو بين فئات المجتمع الواحد .
وعلى الرغم من أن الحدث مدان ، لا من حيث النتيجة وإنما من حيث الطريقة التي نفذ بها ، فإن التغاضي عما يجري على كامل امتداد الساحة السورية سيؤدي إلى تكرار مثل هذا الحادث بغض النظر عن تقييمه الأخلاقي والقانوني ، فالمجازر التي ارتكبت بحق الأطفال والنساء وكبار السن والتي تم توصيفها على أنها مجازر ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية ، لم تمنع مرتكبيها من الاستمرار في ممارسة هذا النوع من الجرائم التي تتناول مجموعات وليس مجرد أفراد ، والأنكى من ذلك ، أن الهيئات والمنظمات التي تناولت هذه المجازر كثيراً ما شككت في حقيقة ارتكابها من قبل ميليشيات تابعة للنظام وتعمل بتوجيهاته و
تحت أمرة ضباط مخابراته ، مما ترك تصوراً سلبياً لدى الكثير من مجموعات المعارضة المسلحة بأن المجتمع الدولي يشرعن القتل الذي تمارسه الدولة بصورته المكشوفة والموثقة ، بالوقت الذي تطلب فيه من الضحايا التجرد تماماً من مشاعرهم الإنسانية وفطرة الدفاع عن حقهم في الحياة.
إن الفظائع المرتكبة من قبل الميليشيات الداعمة للنظام فاقت بكثير ما أنتجته قذائف القصف والتدمير بكل أشكالها سواء من حيث العدد أو من حيث الوسيلة والطريقة التي قتل بها الضحايا فقد أثبتت معظم الوقائع الموثقة أن الذبح بالسكين كان السمة الأبرز لهذه المجازر ، عدا ما ارتكب من جرائم الاغتصاب وامتهان الكرامة الإنسانية والإذلال أمام العدسات التي تناولت عن عمد هذه السلوكيات كرسائل للمجتمع برمته .
إن استقصاءاً بسيطاً بين الموالاة والمعارضة في الشارع الحلبي برمته يعطي الصورة الحقيقية لهذه المجموعة من آل بري التي لم تترك من الموبقات ما يعتب عليها ، من جرائم القتل إلى تجارة المخدرات إلى تبييض وغسيل الأموال إلى ممارسة " الخوة " على الشارع الحلبي منذ مدة طويلة ، ثم الممارسات الدنيئة والخسيسة منذ اليوم الأول للحراك الجماهيري في سوريا حيث تمكنت فعلاً من قمع الشارع الحلبي ومثلت بشكل مفضوح ومكشوف التوجه العام للسلطة في التعامل مع مطالب الناس السلمية في استعادة الجزء اليسير مما اغتصب من حقوقهم الإنسانية المشروعة .
عندما تمارس الميليشيات القتل الصريح في ظل الدولة وتحت عباءتها ، ألا يعتبر ذلك شرعنة مفضوحة للقتل الخارج عن كل القيم الأخلاقية والشرعية والإنسانية ؟؟؟؟ عندما يتم نهب الممتلكات وتدمير المزارع وموارد العيش اليومية للمواطنين من قبل الأمن والجيش والشبيحة ، أليس شرعنة لقانون الغاب بغطاء قانون الدولة ؟؟؟ حتى في قوانين الغاب الطبيعية السائدة بين مجتمعاتها البهيمية ، أليس للضحية حق الدفاع عن النفس مهما كان ضعيفاً ؟؟؟؟
أقول للمتنطعين والمتسلقين على فلسفات أحادية الجانب لتناول أبعاد القوانين الوضعية ، اتقوا صحوة الضمير الغاطة الآن في نومها العميق ، وكفى استهبالاً لعقول الناس ، فالقتل الظالم هو قتل لا غطاء له مهما تلاعبت اللغات في توصيف قانونيته ، ورد الفعل هو سلوك بشري فطري مهما تلاعبت اللغات في توصيفه على أنه سلوك غير حضاري