بقلم / صياح الزاعور
الحرب الدائرة في الوطن اليوم ، تطحن الحجر والبشر ، وهي حال كل حربٍ في النهاية ، فيومياتها أتون يحرق الوطن والمواطن ، وتترك آثار دمارها بينة واضحة المعالم على ساحتها ، فالبيوت والحقول تنعي نفسها وتلفظ أنفاسها ، والجمال الذي امتاز به الوطن يتحول شيئاً فشيئاً إلى لوحة ترسم بالفحم الآدمي ، وركام الرماد الضخم يخبئ في طياته مجاهيل النفس البشرية بكل ما فيها من خيرٍ وشر .
الحرب الأدهى غداً ، عندما يقف صوت الرصاص ، ويغور هدير المجنزرات ، لتعلو حشرجات الأنين والألم ، وتشاهد العين ما لم تتمكن من مشاهدته وسط زحام الأحداث ، عندها فقط سندرك كم كان الضجيج صاخباً ، وعندها سندرك أن حرباً على الأمس يجب أن تبدأ بكل مخلفاته ، وأهمها على الإطلاق الإنسان الذي خلفته لصيق معاناته وهواجسه على امتداد الساحة ، عندها سندرك أن الجميع بحاجة إلى مصحات ، فالجلاد والضحية قد وقعا في شرك الحياة القادمة .
أمام هذا الواقع وبغض النظر عن فلسفة الولاء والعداء ، الظالم والمظلوم ، القاتل ومن سلم من القتل ، الجميع بحاجة إلى إعادة تأهيل واسترداد حقيقي للكيان البشري وأنسنته واستعادة اتزان المجتمع برمته ، وبالضرورة على أسس جديدة ومفاهيم جديدة، فالوطن بعد كل هذا بحاجة إلى عقد مشترك جديد يحاول ما أمكن استبعاد الشروط الجزائية الخارجة عن المألوف فيما بين مكوناته ، وضبطه بالكثير من الدقة ليكون هذا العقد قطعاً مع الأمس الموتور .
البناء يعود ، والأرض تستعيد خصوبة عطائها وخيراتها ، وملامح جمال البلاد التي نحنُّ إليها تتعافى ، فالطبيعة على فطرتها تحسن اختيار طبيبها ، كل ذلك يصبح واقعاً إلا أنه يفتقر للشيء الأهم ، الإنسان الذي جلد نفسه وجلد الطبيعة وخرج من كل ذلك مريضاً ، خائفاً ، حذراً ، فاقداً للجزء الأكبر من ثقته بنفسه وبمن حوله ، يعاني من أزمات ترهقه وتقض مضجعه ، صور ضحاياه لا تفارقه ، وهي تلاحقه في يومياته وتساكنه في فراشه وتقلقل وسادته، حتى وإن لم يكن مارس القتل المباشر ، فهو قد شاهد آثار قذائفه التي أطلقها ، والبشاعة التي تعاملت بها مع أجساد آدمية مجسدة جريمته ، ومستحضرة صور الرعب المريرة التي عاشتها الضحية، وكذلك الضحية الذي شاهد ابنه وزوجه وأخاه و..و... والقائمة تطول ، أؤلئك الذين دفنوا بدمائهم ، وأؤلئك الذين لم يتمكن أحد من دفنهم ، والصور المجهولة لطريقة موتهم ، وأولئك المفقودين مجهولي المصير، وأولئك الذين لم نستطع إنقاذهم ، وأولئك الذين لم نسمع آخر كلماتهم و.....ووو ... وما أكثرهم.
كل مادون الإنسان سهل بناؤه وإعادة هيكلته بأفضل مما كان ، المعضلة الحقيقية في إعادة بناء إنسان الوطن " المواطن " بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، الجهد الأكبر سيلقى على عاتق الطبيب وعلى الأخص الطب النفسي ، والمهتمين في بحوث علم الاجتماع ، والهيئات التربوية ، والمنظمات المدنية والتي من المفروض أن تكون قد انتهت من هيكلة نفسها .
إن الشعوب التي مرت بتجربة حروبها وما أفرزته من ظواهر مرعبة ، ومعاناة مرهقة وخطرة لمن شارك بها , تحتم على كوادرنا العمل منذ اليوم لبرمجة خططهم لاستيعاب ما يمكن أن تفرزه الأحداث .
هذه التجربة المريرة والتي لم تشهد أي بقعة من بقاع الأرض ما يماثلها ، بحاجة لتضافر جهود صادقة يحكمها العقل والاتزان بما يسهم بتضميد الجراح والارتقاء فوق الآلام ، فالدماء الزكية التي سالت بكرمٍ غير مسبوق تستحق بناء وطن يعتز المرء بالانتماء إليه .